أبو ظبى ، الامارات – في الحروب التقليدية، كان الوصول إلى الهدف يعتمد على معلومات محدودة وقرار بشري مباشر. أما في غزة، فقد أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا؛ بيانات ضخمة، اتصالات، صور جوية، أنظمة تحليل وخوارزميات تعمل معًا قبل أن يصل القرار إلى الطيار أو وحدة إطلاق النار. هذه المنظومة أصبحت موضع تحقيقات دولية. وكان أحدثها فيلم NAZA، الذي أعاد طرح سؤال حساس: ماذا يحدث للمعلومات المتعلقة بالمدنيين عندما تدخل إلى سلسلة اتخاذ القرار العسكري؟
«Lavender».. من البيانات إلى الأهداف
تناولت تحقيقات +972 Magazine وLocal Call استخدام نظام Lavender في معالجة معلومات استخباراتية وتصنيف أشخاص باعتبارهم أهدافًا محتملة. الجيش الإسرائيلي رفض تصوير النظام باعتباره أداة مستقلة لاتخاذ قرار القتل. وأكد أن الأنظمة الرقمية تساعد المحللين وأن القرارات النهائية تخضع لمراجعة بشرية. لكن وجود المراجع البشري لا ينهي التساؤل؛ فالمعلومات التي تنتجها الخوارزميات يمكن أن تؤثر في ترتيب الأولويات وتحديد الأشخاص والمواقع التي تخضع لمزيد من التدقيق.
«Habsora».. تسريع إنتاج المعلومات
ظهر نظام Habsora كذلك في التحقيقات المتعلقة بالبنية الرقمية المستخدمة في تحديد الأهداف. ، لفكرة الأساسية ليست أن النظام يضغط زر إطلاق النار، وإنما أنه يستطيع معالجة كميات كبيرة من البيانات بسرعة. كما يربط معلومات من مصادر متعددة ويحولهاإلى مخرجات يستخدمها المحللون العسكريون. وهنا تصبح دقة البيانات وسلامة التصنيف عاملين حاسمين في النتيجة النهائية.
شركات التكنولوجيا داخل الحرب
كشفت وكالة أسوشيتد برس عن توسع استخدام خدمات Microsoft السحابية وتقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب. وبحسب التحقيق، تجاوز حجم البيانات المخزنة على خوادم Microsoft 13.6 بيتابايت في يوليو 2024. ولا يعني ذلك أن شركات التكنولوجيا تتخذ قرارات عسكرية. لكنه يكشف حجم الدور الذي أصبحت تلعبه البنية الرقمية في معالجة المعلومات المرتبطة بالحرب.
المدنيون في معادلة القرار
القانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، كما يشترط أن تكون الخسائر المدنية المتوقعة غير مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة. يجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر. لذلك فإن معرفة عدد المدنيين الموجودين في موقع ما، أو احتمال وجودهم، يجب أن تكون جزءًا من عملية اتخاذ القرار. وهنا تبرز القضية الأكثر حساسية التي أثارها NAZA: كيف تدخل تقديرات الخسائر المدنية في القرار قبل تنفيذ الضربة؟
«NAZA».. شهادات من داخل المؤسسة العسكرية
الفيلم، الذي عرض في مهرجان فينيسيا عام 2026، يعتمد على شهادات 24 من أفراد الجيش والاستخبارات الإسرائيليين. ويقدم الفيلم رواية عن استخدام أنظمة رقمية في تحديد الأهداف وتقدير الأضرار المحتملة، بينما رفضت إسرائيل الاتهامات الواردة فيه ووصفتها بأنها مضللة. لذلك لا تكفي شهادات الفيلم وحدها لإثبات وجود قاعدة موحدة تنطبق على جميع العمليات. لكنها تفتح الباب أمام فحص حالات محددة يمكن مقارنة المعلومات المتاحة قبل الضربة بنتائجها على الأرض.
ضربات تكشف الفجوة
حققت وكالة أسوشيتد برس في عشر ضربات إسرائيلية خلال الأشهر الأولى للحرب، أسفرت عن أكثر من 500 قتيل. ودرست صورًا وبيانات جغرافية ومعلومات متاحة عن المواقع المستهدفة. وفي بعض الحالات، لم يجد التحقيق دليلًا ظاهرًا على وجود هدف عسكري واضح في الموقع قبل الهجوم. لكن غياب الدليل في المصادر المفتوحة لا يساوي إثبات غياب الهدف. فجزء كبير من المعلومات الاستخباراتية المستخدمة في العمليات العسكرية لا يزال سريًا.
مبنى المهندسين.. سؤال لم يُحسم
في 31 أكتوبر 2023، أدى استهداف مبنى المهندسين في غزة إلى مقتل 106 مدنيين، بينهم 54 طفلًا، وفق تحقيق Human Rights Watch. اعتمد التحقيق على مقابلات وصور ومقاطع فيديو وصور أقمار صناعية. لكنه لم يتمكن من الوصول إلى موقع الضربة. وتبقى نقطة جوهرية: ما المعلومات التي كانت متاحة للجهة المنفذة بشأن طبيعة المبنى ووجود المدنيين قبل الهجوم؟
عندما يحدث الخطأ
في ضربة قتلت سبعة من العاملين في World Central Kitchen عام 2024، أقرت إسرائيل بوقوع أخطاء في تحديد المركبات والتنسيق، وأعلنت إجراءات بحق ضابطين ، الحادث يوضح أن وجود أنظمة متقدمة ومراجعة بشرية لا يمنع وقوع أخطاء قاتلة. لكن تقييم المسؤولية يتطلب معرفة أين بدأ الخطأ: في جمع البيانات، أم تحليلها، أم ترجمتها، أم مراجعتها، أم القرار النهائي؟
السؤال الحقيقي
المصادر المفتوحة لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي اتخذ بمفرده قرارات قتل المدنيين في غزة ، لكنها تثبت استخدام أنظمة رقمية متقدمة لمعالجة البيانات المرتبطة بالعمليات العسكرية. كما تؤكد وجود خلاف حقيقي حول حجم تأثير هذه الأدوات في تحديد الأهداف. ولهذا فإن السؤال الأهم بعد NAZA ليس: هل تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا كان متخذ القرار يعرف عن وجود المدنيين قبل الضربة، وكيف أثرت تلك المعلومات في القرار النهائي؟














