صوت الإمارات – تحت وطأة القمع والفقر الذي يرزح تحته الشعب الإيراني، تطل مفارقة صارخة وصفت بأنها “كابوس الشعب وحلم النخبة”، حيث كشفت التطورات الأخيرة والتسريبات الاستقصائية عن اتساع الفجوة بين الشعارات الأيديولوجية للنظام الإيراني وواقع حياة أبناء مسؤوليه. فبينما تصدح المنابر في طهران بشعارات “الموت لأمريكا“، ينعم الآلاف من أبناء القيادات بحياة الرفاهية في قلب “الشيطان الأكبر” وأوروبا وكندا.
دولة الرهائن ومصالح السلطة
وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، يقول المحلل السياسي الإيراني، محمد رحماني فر، في تصريحات لـ “صوت الإمارات”: “إن السلطة الحاكمة لا تفكر في الشعب، بل تفكر في نفسها فقط، والشعب في نظرها ليس سوى رهائن”. ويرى رحماني فر أن النظام الحالي لا يمثل دولة بالمعنى السياسي، بل هو نظام هيمنة يسخر موارد البلاد لتحقيق أهداف أيديولوجية ومالية ضيقة. ويضيف رحماني فر أن هذا السلوك يكشف كذبا أيديولوجيا عميقا؛ فعندما تتعارض الشعارات مع المصالح الشخصية، تقدم النخبة مصالحها الخاصة دائما.
ويستشهد في هذا السياق برواية “مزرعة الحيوانات” لجورج أورويل، مؤكدا أنها تجسد واقع النظام الإيراني بكل تفاصيله، حيث تتساوى الشعارات في الظاهر وتنفرد “الخنازير” بالامتيازات في الباطن.
4 آلاف من أبناء النظام في بلاد الشيطان
وتشير الأرقام الرسمية المسربة إلى حجم هذه الظاهرة؛ ففي يونيو 2022، أعلن مرتضى ميريان، رئيس قسم العمليات البرية في الحرس الثوري، أن نحو 4 آلاف من أبناء مسؤولي النظام يعيشون حاليا في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا. هؤلاء الأفراد، الذين يعرفون في الداخل الإيراني بلقب “الآقازاده” (أبناء السادة)، يمتلكون أصولا وجنسيات في الدول ذاتها التي يدعو آباؤهم لإحراقها. هذا التناقض الهيكلي فجر حملات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد القمع الدموي لتظاهرات يناير 2026، والتي أسفرت عن مقتل نحو 30 ألف شخص. كذلك استهدفت هذه الحملات تحديد هوية أبناء المسؤولين الذين يدرسون في أرقى الجامعات العالمية بنهب الموارد العامة. في الوقت نفسه، يحرم المواطن العادي من تحويل مبالغ بسيطة للخارج بسبب قوانين الصرف الصارمة.
قائمة “الرفاهية” فوق الأيديولوجيا
وتضم قائمة المقيمين في الخارج أسماء ثقيلة؛ من بينها ابنتي الرئيس الأسبق حسن روحاني (آزاده وتناز) المقيمتين في أمريكا والنمسا، وسينا أردشير لاريجاني في كندا، ونعيمة إشراقي حفيدة الخميني. كما تشمل القائمة أبناء وزراء سابقين ومسؤولين حاليين مثل ابنة علي رضا زاكاني، رئيس بلدية طهران، المقيمة في سويسرا، وأبناء قيادات شاركت تاريخيا في احتلال السفارة الأمريكية في طهران عام 1979.
إجراءات أمريكية حازمة وتوقيفات
ومع تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في أبريل 2026، بدأت واشنطن إجراءات عقابية استهدفت عائلات المسؤولين. ففي 11 أبريل، أعلنت الخارجية الأمريكية إلغاء “البطاقات الخضراء” واحتجاز عائلة “سيد عيسى هاشمي” وزوجته “مريم طهماسبى” تمهيدا لترحيلهم. والمفارقة التاريخية هنا أن طهماسبى هي ابنة معصومة ابتكار، التي كانت المتحدثة باسم الطلاب المختطفين للرهائن الأمريكيين عام 1979. كما طالت الإجراءات أقارب اللواء الراحل قاسم سليماني؛ حيث ألقي القبض على ابنة شقيقه، حميدة سليماني أفشار، وابنتها في لوس أنجلوس بعد إلغاء إقامتهما الدائمة. ووصفت الخارجية الأمريكية سليماني أفشار بأنها “مؤيدة صريحة لنظام شمولي إرهابي” بينما تنعم بمزايا العيش في ديمقراطية غربية.
تشير هذه التطورات إلى أن “الحلم الأمريكي” لم يعد ملاذا آمنا لأبناء النخبة الإيرانية. فقد بدأت العواصم الغربية في الاستجابة لمطالب النشطاء بإلغاء إقامات هؤلاء الأفراد، معتبرين أن وجودهم يمثل طعنة في تضحيات الملايين من الإيرانيين الذين يعانون تحت وطأة نظام يبيع الشعارات لشعبه ويشتري الرفاهية لأبنائه في “بلاد الأعداء”.



