القاهرة ، مصر – في قراءة تحليلية معمقة لمآلات التصعيد الراهن بين واشنطن وطهران، يرى الخبير العراقي في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية، فراس إلياس، لـ”صوت الإمارات” أن المنطقة انزلقت رسميا نحو نمط حرب “كسر العظام”. كما يؤكد إلياس أن تعثر مسار التفاوض في باكستان وإسقاط طائرة عسكرية أمريكية يشيران إلى أن هذه المواجهة لن تنتهي بمسارات تقليدية. بل باتت اختبارا مصيريا لمستقبل دونالد ترامب السياسي والوجود الإيراني الإقليمي.
هندسة الصراع عبر المكان
وينطلق إلياس من مقولة الجغرافي “إيف لاكوست” بأن “الجغرافيا تستخدم لصنع الحرب أولا”، موضحا أن إيران لا تتعامل مع حدودها كخطوط دفاعية جامدة. بل تراها كأداة “ديناميكية” معاد هندستها عبر ثلاث طبقات متداخلة:
العمق الدفاعي الداخلي: استثمار التضاريس الجبلية الصعبة والتباعد بين المراكز الحيوية لامتصاص الضربات الأمريكية. في المحصلة، تسعى القيادة إلى تحويلها إلى حرب استنزاف طويلة، تفقد الهجمات قيمتها الحاسم.
الدفاع الأمامي (الامتداد القتالي): نقل ساحة الاشتباك إلى العراق ولبنان واليمن لتفكيك الضغط الأمريكي وتوزيعه على جبهات متعددة. وبذلك، لا تبقى إيران الهدف الوحيد.
الخنق الاستراتيجي: تحويل مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى أوراق ضغط عالمية تربط أي تصعيد بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
هل الهجوم البري الشامل ممكن؟
يجيب فراس إلياس بأن الغزو البري الشامل يظل خيارا مستبعدا عسكريا. كما أنه يصطدم بثلاثة عوائق: جغرافيا إيران المعقدة، قابلية الصراع للتمدد الإقليمي، وغياب الرغبة السياسية الأمريكية في خوض حرب استنزاف لا تنتهي. ويرجح إلياس أن تكتفي واشنطن بمسارين: تكثيف الضربات الجوية الجراحية، أو اللجوء إلى إنزالات تكتيكية لقوات خاصة (مثل عمليات الإنقاذ الأخيرة). بالإضافة إلى ذلك، يبقى التهديد بالهجوم البري مجرد “أداة ردع” لرفع سقف التفاوض.
التشدد الإيراني.. المكابرة فوق التنازل
يختم الخبير العراقي تحليله بالإشارة إلى أن طهران باتت اليوم “أكثر تمسكا بخيار الحرب من ترامب نفسه”. فالسقوف المرتفعة التي فرضتها الإدارة الأمريكية، وصولا إلى حدث اغتيال المرشد الأعلى، جعلت كلفة التنازل بالنسبة للقيادة الإيرانية أكثر مرارة من كلفة المواجهة الشاملة. وبناء عليه، اختارت إيران منطق المكابرة والتشدد البراغماتي. بذلك، باتت المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتجاوز حدود السيطرة التقليدية.



