دبي، الإمارات العربية المتحدة – في وقتٍ تتسارع فيه الاتصالات الإقليمية لاحتواء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، برزت إسلام آباد مركزاً لمحاولة فتح ممر تفاوضي غير مباشر. جاء ذلك بعد اجتماع وزاري ضم باكستان ومصر وتركيا والسعودية لبحث خفض التصعيد. وتقول المعطيات السياسية إن هذا التحرك لا يعكس فقط رغبة في الوساطة، بل يعبر أيضاً عن خشية حقيقية لدى هذه الدول من انتقال الحرب إلى مرحلة أوسع. مثل هذه المرحلة تهدد أمن الخليج والملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد في المنطقة والعالم.
إسلام آباد تتقدم في مسار التهدئة
تبدو باكستان الطرف الأكثر اندفاعاً في هذا المسار، ليس فقط لأنها تحتفظ بقنوات اتصال مع واشنطن وطهران، بل لأنها قدمت نفسها بوصفها قناة مناسبة لنقل الرسائل غير المباشرة بين الجانبين. هذا التموضع يمنح إسلام آباد دوراً سياسياً متقدماً. لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم المأزق الذي تسعى إلى تفاديه إذا اتسعت رقعة الحرب.
باكستان.. وساطة تحكمها الجغرافيا والتحالفات
فباكستان ترتبط بحدود مباشرة مع إيران، وتعتمد بشكل كبير على استقرار الخليج وممراته البحرية. كما أن علاقتها الدفاعية مع السعودية تجعل أي توسع للمواجهة في الخليج تطوراً شديد الحساسية بالنسبة لها. ومن هنا تبدو الوساطة الباكستانية محاولة لتفادي انزلاقٍ قد يضعها تحت ضغط استراتيجي. فهي تقع بين التزاماتها الخليجية وعلاقتها المعقدة مع إيران.
هذه المعادلة تجعل من تحرك إسلام آباد أكثر من مجرد جهد دبلوماسي تقليدي؛ فهو في جوهره محاولة استباقية لحماية مصالحها الأمنية والسياسية. كذلك هو محاولة لمنع الوصول إلى لحظة تضطر فيها إلى الاختيار بين شريكين مهمين في معادلة إقليمية شديدة التعقيد.
مصر.. احتواء التصعيد لحماية الأمن والاقتصاد
أما مصر، فتتحرك من زاوية مختلفة لكنها لا تقل إلحاحاً. فالقاهرة تنظر إلى أي اتساع للحرب في الخليج بوصفه تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي. وترى أيضاً فيه انعكاساً محتملاً على أمن الملاحة والتجارة والطاقة، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية الواسعة على المنطقة بأكملها.
ومن هذا المنظور، لا تبدو مصر متحمسة للوساطة بوصفها دوراً دبلوماسياً فحسب، بل باعتبارها أيضاً ضرورة وقائية. فكلما اقتربت الحرب من الخليج، ارتفعت كلفة التوتر على الاقتصادات العربية وعلى حركة التجارة والطاقة. بالإضافة إلى ذلك تزداد كلفته على التوازنات الأمنية في الإقليم. ولهذا يمكن قراءة التحرك المصري على أنه محاولة لمنع الوصول إلى لحظة تُفرض فيها على العواصم العربية خيارات أكثر صعوبة وكلفة، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
تركيا.. دعم سياسي لمنع توسع المواجهة
وبالنسبة إلى تركيا، فإن دعمها للمسار الباكستاني يستند إلى حسابات النفوذ والموقع معاً. فأنقرة تدرك أن استمرار الحرب أو تمددها يهدد استقرار جوارها الإقليمي. كذلك يزيد من احتمالات الفوضى الأمنية والاقتصادية في منطقة تتقاطع فيها مصالحها المباشرة مع ملفات الطاقة والتجارة والأمن.
كما أن تركيا تملك هامش حركة دبلوماسياً مع أطراف متعددة، ما يجعلها قادرة على أداء دور داعم في إبقاء خطوط الحوار مفتوحة. هي أيضاً قادرة على منع انتقال المواجهة إلى ساحات إضافية. ومن هنا يبدو انخراطها في هذا المسار جزءاً من سياسة أوسع تقوم على منع الانهيار الإقليمي الشامل.
وساطة المصالح لا وساطة الحياد
في المحصلة، فإن باكستان ومصر وتركيا لا تتحرك لأنها محايدة بالمعنى التقليدي فقط، بل لأنها الأكثر تعرضاً لكلفة الفشل. فباكستان تخشى أن تتحول الحرب إلى اختبار مباشر لتوازنها بين السعودية وإيران. ومصر ترى أن أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة جزء من أمنها الاستراتيجي والاقتصادي. وتركيا تنظر إلى الحرب بوصفها تهديداً مباشراً لاستقرار جوارها الإقليمي.
ولهذا تبدو الوساطة هنا تعبيراً عن تقاطع المصالح مع الحاجة إلى التهدئة، أكثر من كونها مبادرة بروتوكولية عابرة. فهذه الدول لا تتحرك من موقع المتفرج، بل من موقع من يدرك أن اتساع الحرب سيضع الجميع أمام أثمان يصعب احتواؤها لاحقاً.
هل تنجح القنوات الإقليمية في وقف الحرب؟
غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بانتقال الجهود من إدارة الأزمة إلى فتح تفاوض مباشر أو شبه مباشر بين واشنطن وطهران. وحتى الآن، توحي المؤشرات بأن الاجتماعات الإقليمية نجحت في تثبيت قنوات اتصال ورسائل متبادلة. لكنها لم تنتج بعد اختراقاً سياسياً حاسماً. ومع استمرار التصعيد الميداني، فإن قدرة الوسطاء على منع التدهور ستعتمد على مدى استعداد الطرفين لمنح الدبلوماسية فرصة تتجاوز مجرد كسب الوقت. وحتى يحدث ذلك، ستظل الوساطة الإقليمية محاولة ضرورية لاحتواء النار. لكنها غير كافية وحدها لإطفائها.



