أعاد الموقف الأخير الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير الخارجية الكويتي، حول مراجعة منظومة العمل العربي المشترك إلى الواجهة من جديد فكرة إصلاح جامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945. جاء ذلك من أجل مواكبة التحديات المتسارعة التي تواجه العالم العربي، وسط عجز ملحوظ لها عن مواكبة التحديات المتسارعة، في ظل تزايد التحديات الإقليمية وتعقد المشهد السياسي والأمني.
ويطرح هذا الموقف تساؤلات جوهرية حول قدرة المؤسسة على التكيف مع متغيرات العصر. في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأطر النظرية والواقع العملي.
وقفة للمراجعة
وكان الشيخ جراح الجابر، أكد خلال أعمال اجتماع الدورة العادية 165 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري: إن التجارب المتعاقبة كشفت عن محدودية فاعلية منظومة العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية. ويشير ذلك إلى أن الأمر يستدعي وقفة مراجعة صريحة ومسؤولة، فقد أثبتت جامعة الدول العربية، رغم مكانتها الرمزية، عجزاً واضحاً عن مواكبة التحديات المتسارعة. كذلك، فهي لم تستطع الاضطلاع بدورٍ مؤثرٍ في صون الأمن العربي.
ميثاق قديم يقيّد الفاعلية
وتكمن إحدى أبرز الإشكاليات البنيوية في ميثاق الجامعة أنه وُضع في سياق تاريخي مغاير لما تمر به الأمة العربية حاليا. إذ لا تزال آليات اتخاذ القرار، لا سيما شرط الإجماع، تمثل عائقاً أمام تحقيق فاعلية حقيقية.
وتشير تحليلات صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن هذا القيد حوّل الجامعة إلى إطار لإدارة الخلافات بدلاً من كونه منصة لاتخاذ قرارات ملزمة.
ولم يكن موقف وزير الخارجية الكويتي هو الأول من من نوعه لدولة الكويت. فقد سبق أن دعا صباح الأحمد الجابر الصباح إلى مراجعة شاملة لآليات العمل العربي خلال قمة الكويت 2014، مؤكداً ضرورة تطوير الأداء المؤسسي بما يواكب التحديات.
إصلاحات مؤجلة
ورغم تعدد المبادرات الإصلاحية على مدار العقود الماضية، فإن معظمها لم يترجم إلى خطوات عملية.
فقد شهدت الجامعة محطات بارزة مثل «وثيقة العهد والوفاق» عام 2004، وتقرير لجنة الإصلاح عام 2012 برئاسة الأخضر الإبراهيمي. إلا أن هذه الجهود بقيت دون تنفيذ فعلي. وتؤكد دراسات مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الجامعة تفتقر إلى أدوات تنفيذية فعالة، في ظل محدودية صلاحيات أمينها العام مقارنة بمؤسسات إقليمية أخرى.
تحديات أمنية
ومن أخطر أوجه القصور التي تواجهها الجامعة العربية، العجز عن التعامل مع التهديدات الحالية والتي تحيط بجميع الدول العربية من الخارج أو الداخل. على رأس هذه التهديدات صعود الفاعلين من غير الدول، مثل الميليشيات والتنظيمات المسلحة.
وتشير تقديرات معهد الدراسات الأمنية الإقليمية إلى أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك لم تعد قادرة على مواكبة تطورات الحروب الحديثة أو مواجهة الكيانات الموازية. يشمل ذلك استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
كما أن غياب تعريف موحد للأمن القومي العربي ساهم في تعميق الانقسامات وفتح المجال أمام تدخلات خارجية.
رؤى إصلاحية
ومع تزايد المخاطر، تتزايد الدعوات لوضع خارطة طريق واضحة لإصلاح منظومة العمل العربي المشترك، تشمل تعديل آليات التصويت لاعتماد مبدأ الأغلبية الموصوفة، بما يضمن إلزامية القرارات.
كما تشمل المقترحات تفعيل مجلس السلم والأمن العربي، ومنحه صلاحيات أوسع لرصد الأزمات والتدخل المبكر. يضاف إلى ذلك إنشاء محكمة عدل عربية لتسوية النزاعات بعيداً عن التسييس.
ويضاف إلى ذلك أيضا أهمية تعزيز البعد الشعبي من خلال تطوير دور البرلمان العربي. يجب تحويل البرلمان من هيئة استشارية شكلية إلى مؤسسة رقابية تتابع تنفيذ القرارات، بما يعزز من الشفافية والمساءلة داخل المنظومة العربية.
ترميم أم إعادة البناء
ومن أبرز التساؤلات الحالية هل تحتاج المرحلة الراهنة إلى ترميم الجامعة العربية أم إعادة بناء من جديد. هذا ما يضع الجامعة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاكتفاء بإصلاحات جزئية لا تعالج جذور الأزمة، أو الاتجاه نحو إعادة هيكلة شاملة تعيد تعريف دورها ووظائفها.



