دبي، الإمارات العربية المتحدة — لم تعد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز تُقرأ بوصفها أزمة ملاحة فقط، بل بوصفها اختباراً مباشراً لقدرة دول الخليج على حماية سلاسل إمداد الغذاء. فمركز المعلومات البحرية المشتركة JMIC أبقى مستوى الخطر في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان عند درجة حرجة. كما استمرت التحذيرات للملاحة التجارية في محيط المضيق ومقارباته. ولهذا السبب يضع ذلك واردات الحبوب والزيوت النباتية والبذور الزيتية والسلع الأساسية تحت ضغط متزايد. ويزداد الضغط كلما طال أمد الاضطراب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الخليج لأن جزءاً كبيراً من الأمن الغذائي في المنطقة يعتمد على التدفق البحري المنتظم للسلع الأساسية، لا سيما الحبوب والمواد الخام الغذائية والأعلاف. ومع أي تعطّل ممتد، لا يصبح التحدي في وجود المخزون فقط. بل يبرز التحدي أيضاً في سرعة إعادة تعبئته. كذلك يبرز تحدٍ في كفاءة تحويل الشحنات. بالإضافة إلى ذلك، تبرز قدرة الموانئ البديلة على استيعاب الزيادة المفاجئة في الحركة.
الموانئ والمدن الأكثر ارتباطاً بخط الإمداد الغذائي
على خط الإمداد الغذائي الذي يعبر هرمز إلى داخل الخليج، تتصدر الإمارات المشهد عبر ميناء جبل علي في دبي وميناء خليفة في أبوظبي. ففي جبل علي تمضي مشاريع متخصصة في تخزين ومعالجة المنتجات الزراعية، تشمل الحبوب والذرة وفول الصويا والبقوليات. وفي ميناء خليفة، أُعلن عن تطوير منشأة حديثة لتخزين ومعالجة الحبوب بطاقة تقارب 300 ألف طن متري. بالتالي، يعزز هذا دور الإمارات في استقبال الغذاء وإعادة توزيعه.
وفي السعودية يبرز ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام بوصفه أحد أهم الموانئ الواقعة داخل الخليج والتي تعتمد السفن المتجهة إليها على المرور عبر هرمز. وفي قطر يشكل ميناء حمد محوراً رئيسياً لواردات الغذاء، وتؤكد الجهات الرسمية أن الميناء يضم محطة حبوب بطاقة تصل إلى مليون طن سنوياً. أما في الكويت، فيعد ميناء الشويخ قرب مدينة الكويت من أهم الموانئ التجارية لاستقبال وتوزيع السلع. كذلك يمثل ميناء خليفة بن سلمان في البحرين بوابة تجارية رئيسية. ويعد الميناء مرتبطاً بحركة إعادة التوزيع داخل الخليج.
أما على الحافة الجغرافية الأقرب إلى الممر الملاحي، فتبرز خصب في محافظة مسندم العُمانية بوصفها مدينة ملاصقة لمضيق هرمز. فيما تقع الفجيرة وخورفكان على الساحل الشرقي للإمارات خارج المضيق مباشرة. لذا، يمنح هذا الموقع هذه المدن والموانئ قيمة لوجستية متقدمة في أي خطة تحويل للمسارات الغذائية بعيداً عن مناطق الاختناق.
الفجيرة وخورفكان في مقدمة البدائل
إذا طال التعطّل أو تصاعدت المخاطر، فإن البديل الأوضح يبدأ من الإمارات أولاً عبر ميناء الفجيرة وميناء خورفكان. فميناء الفجيرة يصف نفسه بأنه الميناء متعدد الأغراض الوحيد على الساحل الشرقي للإمارات، ويقع على بعد نحو 70 ميلاً بحرياً من مضيق هرمز. أما خورفكان، فتؤكد الجهة المشغلة له أنه المحطة التجارية الإماراتية الكاملة الوحيدة الواقعة خارج مضيق هرمز. لذلك، يجعله هذا نقطة استقبال طبيعية للشحنات التي يراد إبعادها عن مسار التوتر المباشر.
ويمتد هذا البديل بعد ذلك إلى سلطنة عُمان عبر ميناء صحار على خليج عُمان خارج المضيق. ثم يمتد إلى ميناء الدقم وميناء صلالة على الساحل المفتوح المؤدي إلى بحر العرب. وتكمن أهمية صحار في أنه يضم محطة مخصصة لمناولة البضائع الزراعية السائبة، تشمل الحبوب وتدعم الاحتياطي الغذائي الاستراتيجي. ولذلك، يجعله هذا جزءاً مباشراً من أي مسار بديل للأمن الغذائي الخليجي.
بدء خطة التحويل والتنفيذ
وفي تطور يكشف انتقال الإمارات من الاستعداد إلى التنفيذ، كشفت مصادر لـ”صوت الإمارات” أن الإمارات بدأت بالفعل خطة لتحويل جزء من حركة السفن المحمّلة بالمواد الغذائية والسلع الأساسية إلى موانئ الفجيرة وخورفكان. ويتم ذلك ضمن إجراءات استباقية تهدف إلى ضمان انسياب الواردات. كما تهدف إلى تقليل أثر أي تعطّل محتمل في الملاحة عبر مضيق هرمز.
وبحسب المصادر، باشرت الجهات المعنية في الإمارات التواصل مع الجهات الرسمية في سلطنة عُمان لتسهيل عبور السفن وتنسيق استقبال الشحنات في الموانئ الواقعة على الساحل المفتوح وخارج نطاق الاختناق الملاحي. وهذا يأتي تمهيداً لإعادة توجيهها إلى أسواق الخليج والدول الأكثر تأثراً. وتعكس هذه التحركات توجهاً إماراتياً واضحاً نحو لعب دور البوابة المحورية للأمن الغذائي الإقليمي. وذلك يتم عبر تأمين مسارات بديلة للحبوب والسلع الأساسية. ثم تعمل على إعادة توزيعها إلى الدول الأخرى عند الحاجة.
ما الذي اتُّخذ لحماية الأسواق؟
على المستوى الرسمي، أكدت الإمارات امتلاك مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يكفي حتى ستة أشهر. هناك متابعة يومية للمخزون والأسواق والأسعار لضمان استمرار التوفر وعدم حدوث اختناقات أو نقص في السلع الأساسية. وبهذا المعنى، تعني هذه الرسالة أن التحدي الحالي لا يتعلق فقط بوفرة السلع. بل يتعلق أيضاً بسرعة تجديد الإمدادات إذا استمر التعطيل البحري.
وفي السعودية أعلنت “موانئ” إضافة خدمة الشحن “جلف شاتل” التابعة لشركة MSC إلى ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام، في خطوة تدعم انسيابية الحركة التجارية وترفع الكفاءة التشغيلية. وفي قطر يوفر ميناء حمد ومحطة الحبوب التابعة له هامشاً لوجستياً مهماً لتأمين الإمدادات الأساسية. أما في الكويت والبحرين، فإن استمرار انسيابية العبور أو تفعيل مسارات الإسناد الإقليمي يظل عاملاً حاسماً. ويكون هذا حاسماً في الحد من أي ضغط على السوق.
السيناريوهات المحتملة للأمن الغذائي في الخليج
السيناريو الأول هو الاحتواء السريع، وفيه تبقى التداعيات ضمن حدود تأخير الشحنات وارتفاع كلفة النقل والتأمين، مع قدرة الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين وعُمان على امتصاص الأثر عبر المخزون القائم والمسارات البديلة. السيناريو الثاني هو تعطّل يمتد لأسابيع، وهنا يبدأ الضغط الحقيقي على السلع الأسرع دوراناً، مثل الحبوب والزيوت والأعلاف وبعض السلع الأساسية المرتبطة بدورة توريد منتظمة. أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيقوم على تعطّل طويل أو اتساع نطاق الخطر ليشمل الاقتراب من الموانئ البديلة نفسها. وعندها يصبح السؤال المركزي: هل تستطيع الدول إعادة تعبئة مخزونها بالسرعة الكافية؟
ما الذي يجب أن يتم الآن؟
المطلوب الآن هو تثبيت مسار بديل واضح للشحنات الغذائية يبدأ من الفجيرة وخورفكان، ثم يتوسع إلى صحار والدقم وصلالة عند الحاجة، مع ربطه بخطط نقل بري وتخزين سريع وإعادة توزيع على مستوى المنطقة. كما تبدو الحاجة ملحة إلى غرفة عمليات خليجية يومية للأمن الغذائي واللوجستيات تتولى متابعة حركة السفن وسعات التفريغ والمخزون والأسعار وأولوية الحبوب والسلع الأساسية في الموانئ البديلة. لذلك، تبرز أهمية تسريع إجراءات التخليص والنقل بين الموانئ المفتوحة على بحر العرب والأسواق الخليجية. كذلك يمنع ذلك تحوّل التأخير اللوجستي إلى ضغط مباشر على الأمن الغذائي.
الخلاصة
الخطر الحقيقي على الخليج لا يكمن في اضطراب عابر لأيام قليلة، بل في أي تعطّل طويل يمنع الحبوب والسلع الأساسية من الوصول المنتظم إلى الموانئ الواقعة داخل الخليج أو يؤخر إعادة تعبئة المخزون. وحتى الآن، تبدو الإمارات في موقع متقدم لقيادة الاستجابة، بفضل الجمع بين المخزون المعلن، والموقع البديل على الساحل الشرقي، والبنية المينائية القادرة على التحويل، والتحرك المبكر نحو التنسيق الإقليمي. وإذا طال أمد الأزمة، فإن معيار النجاح لن يكون فقط في وجود المخزون. بل يظهر المعيار في سرعة تحويل المسارات وكفاءة إعادة التوزيع. لهذا السبب، يضع هذا الإمارات في قلب معادلة الأمن الغذائي الخليجي خلال المرحلة الحالية.


