صوت الامارات – مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج العربي وتزايد المخاوف من اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، يطرح خبراء في الشؤون الاستراتيجية احتمال أن تتجه الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب إلى تشكيل تحالف دولي واسع لضمان أمن الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي. ويعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا. بالإضافة إلى ذلك تمر كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من خلاله. ولذلك فإن أي اضطراب في حركة السفن داخل هذا المضيق ينعكس فورا على أسعار الطاقة والأسواق المالية العالمية. كما يخلق حالة من القلق لدى الدول الصناعية الكبرى المعتمدة على واردات النفط.
مؤشرات على تحالف بحري تقوده واشنطن
تشير الباحثة الأمريكية إيرينا تسوكرمان، العضو البارز في الحزب الجمهوري، لـ” صوت الإمارات” إلى أن المؤشرات السياسية والعسكرية الأخيرة توحي بأن إدارة ترامب تميل إلى إنشاء إطار أمني بحري متعدد الأطراف يهدف إلى ضمان عبور السفن التجارية وناقلات النفط عبر المضيق دون تهديد. وتوضح تسوكرمان أن سلسلة من التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية تعكس توجها نحو إدارة أمن بحري مستدام في المنطقة. وهذا ليس مجرد رد فعل مؤقت على حادثة محددة. وترى أن سلوك واشنطن خلال الأشهر الأخيرة يدل على رغبة في تأسيس بنية تعاون أمني طويلة الأمد. ويأتي هذا خاصة بعد حوادث المضايقة الإيرانية لناقلات النفط في الخليج.
تأثير التوترات على أسواق الطاقة
تقول تسوكرمان إن أي نشاط بحري مثير للقلق في المضيق ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية. فارتفاع المخاطر في هذه المنطقة يؤدي عادة إلى زيادة أقساط التأمين على السفن وارتفاع تكاليف النقل البحري. وهو ما ينعكس بدوره على أسعار النفط والغاز. وتنبع حساسية الأسواق من حقيقة جغرافية واضحة، وهي أن نحو 20% من النفط المتداول عالميا يمر عبر هذا الممر البحري الضيق. ولذلك فإن أي تعطيل لحركة الملاحة قد يؤدي إلى اضطراب واسع في إمدادات الطاقة. كما يؤثر مباشرة في اقتصادات الدول الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا.
مشاورات مع الدول المستوردة للطاقة
ولفتت الباحثة الأمريكية إلى أن عدة دول تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج بدأت بالفعل إجراء مشاورات مع واشنطن حول سبل حماية خطوط الإمداد البحرية. وتشمل هذه الدول اليابان وكوريا الجنوبية اللتين تستوردان معظم احتياجاتهما النفطية عبر مضيق هرمز. كما تخشى العديد من الدول الأوروبية من انتقال آثار أي أزمة في المضيق إلى اقتصاداتها عبر ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة معدلات التضخم. ولهذا السبب تنظر هذه الدول بجدية إلى فكرة المشاركة في ترتيبات أمنية تهدف إلى حماية الملاحة في الخليج، بحسب تسوكرمان.
رؤية ترامب لتقاسم الأعباء
وتشير الباحثة إلى النهج الذي تتبناه إدارة ترامب يعكس رؤية سياسية عبر عنها الرئيس الأمريكي مرارا، مفادها أن حماية الأمن البحري في الممرات الدولية لا ينبغي أن تبقى مسؤولية مالية وعسكرية تتحملها الولايات المتحدة وحدها. وبحسب تسوكرمان، تسعى واشنطن إلى توزيع الأعباء بين الدول المستفيدة من استقرار حركة التجارة والطاقة في الخليج. وتركز المناقشات مع الحلفاء على مبدأ المساهمة النسبية، بحيث تشارك كل دولة في جهود تأمين الملاحة بما يتناسب مع حجم اعتمادها على الطاقة التي تمر عبر المضيق.
خيار القوافل البحرية
من الناحية العسكرية، يرى مخططو البحرية الأمريكية في وزارة الدفاع أن نظام مرافقة السفن التجارية بالقوافل البحرية يمثل إحدى أسرع الوسائل لتحقيق الاستقرار في الممرات البحرية المهددة. ويستند هذا النموذج إلى تجارب تاريخية، أبرزها عمليات حماية ناقلات النفط خلال ما عرف بـ“حرب الناقلات” في الثمانينيات أثناء الحرب الإيرانية العراقية. وقد نجحت تلك العمليات في تقليل الهجمات على السفن التجارية بفضل الوجود البحري المستمر. كما أدى ذلك إلى رفع تكلفة أي هجوم محتمل.
انتشار عسكري متزايد في الخليج
كما تشير المؤشرات العسكرية الأخيرة إلى استعداد أمريكي لوجود طويل الأمد في المنطقة. فقد تم نشر مدمرات إضافية مزودة بأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، إلى جانب سفن متخصصة في مكافحة الألغام البحرية، وفقا للباحثة الأمريكية. كما كثفت طائرات الاستطلاع البحرية دورياتها في الخليج وبحر عمان لمراقبة التحركات العسكرية. بينما توفر مجموعات الاستعداد البرمائي التابعة للبحرية الأمريكية قدرة على الرد السريع على التهديدات غير التقليدية مثل الزوارق السريعة والطائرات المسيرة.
موقف أوروبي حذر
على الصعيد الدولي، تبدو الحكومات الأوروبية منفتحة بحذر على فكرة المشاركة في أي تحالف بحري لحماية الملاحة في الخليج، لكن ضمن حدود سياسية مقبولة داخليان بحسب تسوكرمان. وتضيف أن المملكة المتحدة تحتفظ تقليديا بوجود بحري شرق قناة السويس وتملك قدرات متقدمة في إزالة الألغام البحرية. هذه القدرات حيوية في بيئة الخليج. كما تمتلك فرنسا قاعدة بحرية دائمة في أبوظبي، وتعتبر حرية الملاحة جزءا مهما من استراتيجيتها الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الحسابات الآسيوية
في آسيا، تتركز النقاشات حول المشاركة في التحالف المحتمل على الاعتبارات الاقتصادية وأمن الطاقة أكثر من الاعتبارات العسكرية. فاليابان تدرك أن أي اضطراب في مضيق هرمز سيؤثر بشكل مباشر في اقتصادها الصناعي، رغم القيود الدستورية المفروضة على عملياتها العسكرية الخارجية، وفقا لـ “تسوكرمان”. أما كوريا الجنوبية فتدرس المشاركة من زاوية الحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة وتعزيز مصداقية تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة. كما تراقب الهند التطورات عن كثب نظرا لاعتمادها الكبير على النفط القادم من الخليج.
البعد الصيني في المعادلة
وترى الباحثة الأمريكيةة أن الحسابات الصينية تضيف بعدا مهما لهذه المعادلة الاستراتيجية. فالصين تعد أكبر مستورد للنفط في العالم وتعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج. ومع توسع أسطولها البحري وتنامي مبادرة “الحزام والطريق”، أصبح أمن الممرات البحرية مسألة حيوية بالنسبة لبكين. ورغم أن مشاركة الصين في أي تحالف تقوده واشنطن تبدو غير مرجحة سياسيا، فإنها تراقب التطورات عن كثب بسبب تأثيرها المباشر في الاقتصاد الصيني، وفقا لـ تسوكرمان.
الاستراتيجية الإيرانية في المضيق
في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية بحرية غير متكافئة تهدف إلى رفع مستوى المخاطر التي تواجه السفن العابرة للمضيق دون الدخول في مواجهة بحرية تقليدية واسعة. وتشمل هذه التكتيكات استخدام أسراب الزوارق السريعة ونشر الألغام البحرية وإطلاق الطائرات المسيرة للمراقبة. كما تشمل أيضا نشر صواريخ ساحلية. وتهدف هذه الإجراءات إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى شركات الشحن والتأمين. كما تتسبب في رفع تكاليف النقل البحري.
المضيق كورقة ردع استراتيجية
من جانبه يرى وزير الخارجية اليمني السابق خالد اليماني أن مضيق هرمز يمثل بالنسبة لإيران ورقة ردع استراتيجية أساسية في أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة. ويضيف اليماني على “إكس” أنه بحسب تقديرات عدة، تعتبر طهران أن القدرة على التأثير في حركة الملاحة داخل المضيق تمنحها أداة ضغط قوية على الاقتصاد العالمي، ما يساعدها على موازنة التفوق العسكري الأمريكي. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تحييد هذه الورقة عبر ضمان حرية الملاحة في المضيق. وتشير بعض التحليلات العسكرية إلى أن الاستراتيجية الأمريكية قد تبدأ بحماية الناقلات واستهداف منصات الصواريخ الساحلية والألغام البحرية إذا تطلب الأمر، وفقا لـ “اليماني”. لكن خبراء يحذرون من أن أي مواجهة عسكرية في المضيق لن تكون مجرد معركة بحرية محدودة، بل اختبارا حقيقيا لمعادلة الردع في الخليج.
صراع قد يهز الاقتصاد العالمي
في النهاية، يختصر كثير من المحللين الصراع المحتمل حول مضيق هرمز في معادلة واضحة: إيران تمتلك القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي مؤقتا عبر تهديد الملاحة، بينما تمتلك الولايات المتحدة القوة العسكرية الكافية لإعادة فتح الممر البحري. وبين هاتين القوتين المتقابلتين يبقى مضيق هرمز أحد أخطر نقاط الاحتكاك الجيوسياسي في العالم. إذ يمكن لأي حادثة صغيرة أن تتحول بسرعة إلى أزمة دولية ذات تأثيرات اقتصادية عالمية واسعة.

