واشنطن، أمريكا – في تحرك عسكري صامت لكنه مدو في دلالاته الاستراتيجية، شهدت قاعدة “فورت ليبرتي” في ولاية كارولاينا الشمالية تطورا أثار ريبة المراقبين العسكريين؛ حيث ألغى الجيش الأمريكي بشكل مفاجئ تدريبات رئيسية لوحدة القيادة التابعة للفرقة 82 المحمولة جوا.
هذا الإجراء، الذي كشفت عنه صحيفة “واشنطن بوست”، لا يقرأ في العرف العسكري كخلل إداري. بل يقرأ كإشارة استنفار قصوى.
ففي العقيدة القتالية الأمريكية، يعني تجميد تدريبات “وحدة القيادة” تحديدا أن هذه الوحدة باتت “على ذمة” مهمة حقيقية وشيكة. هذا الأمر يفتح الباب أمام السؤال الأهم منذ انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير الماضي: هل اقتربت ساعة الغزو البري؟.
- الفرقة 82.. خنجر واشنطن الطائر
- السيناريو الأول: “رأس الجسر” والاستيلاء على المطارات
- السيناريو الثاني: “عمليات التطهير النووي”
- السيناريو الثالث: حماية “أمن الخليج” والردع الإقليمي
- السيناريو الرابع: “تأمين العاصمة” وفراغ ما بعد السقوط
- تحديات “المستنقع الإيراني”: لماذا التردد؟
- التحول من “العقاب” إلى “الإخضاع”
الفرقة 82.. خنجر واشنطن الطائر
لإدراك خطورة الموقف، يجب فهم ماهية الفرقة 82 المحمولة جوا. هي ليست مجرد تشكيل مشاة، بل هي “قوة الاستجابة الفورية” (IRF) للولايات المتحدة.صممت هذه الفرقة لتكون قادرة على وضع آلاف المظليين ومعداتهم في أي نقطة صراع على كوكب الأرض خلال 18 ساعة فقط من صدور الأمر الرئاسي.هي القوة التي لا تحتاج إلى إذن عبور أو تمهيد لوجستي طويل؛ تسقط من السماء، تستولي على الأرض، وتغير موازين القوى قبل أن يستوعب العدو حجم الصدمة.
إلغاء تدريباتها اليوم، بالتزامن مع الحرب المشتعلة ضد إيران، يشير إلى أن التخطيط العسكري الأمريكي انتقل من مرحلة “التدمير الجوي” إلى مرحلة “السيطرة الفيزيائية”. بالتالي، ما هي السيناريوهات التي قد تدفع بالجيش الأمريكي لغرس أحذية جنوده في التراب الإيراني؟.
السيناريو الأول: “رأس الجسر” والاستيلاء على المطارات
يعد هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحا وتوافقا مع تخصص الفرقة 82. الهدف هنا ليس احتلال مدن إيرانية كبرى، بل تنفيذ عمليات إنزال خاطفة للاستيلاء على مطارات عسكرية حيوية، خاصة في مناطق جنوب غرب إيران (الأحواز) أو المناطق القريبة من الحدود العراقية.
لماذا المطارات؟ لأن السيطرة على مطار إيراني وتحويله إلى “قاعدة عمليات أمامية” (FOB) يمنح الطيران الأمريكي والإسرائيلي نقاط انطلاق أقرب، ويسمح بتدفق الإمدادات اللوجستية دون الحاجة لقطع مسافات طويلة من قواعد الخليج أو الأردن. لهذا السبب، يهدف هذا السيناريو إلى خلق “مناطق عازلة” داخل الأراضي الإيرانية تستخدم كمنصات لمواصلة تدمير ما تبقى من الحرس الثوري.
السيناريو الثاني: “عمليات التطهير النووي”
رغم أن الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية حققت إصابات دقيقة في المنشآت النووية، إلا أن “الدمار من الجو” لا يضمن تحييد الخطر النووي بالكامل.يخشى البنتاغون من قيام النظام الإيراني، في لحظات احتضاره، بتهريب مخزونات اليورانيوم المخصب (التي تقدر بـ 440 كجم) إلى مخابئ سرية أو تسليمها لتنظيمات إرهابية.
هنا تبرز الحاجة لتدخل بري “جراحي”. السيناريو يتضمن إنزال قوات خاصة مدعومة بمظليي الفرقة 82 لتأمين مواقع مثل “نطنز” أو “فوردو” بريا.هذا الأمر يسمح لفرق التقنيين النوويين التابعين لوزارة الطاقة الأمريكية بالدخول فيزيائيا، وتفكيك أجهزة الطرد المركزي المتبقية، ونقل المواد الانشطارية تحت حراسة مشددة. لذلك، هذا العمل لا يمكن إنجازه بـ “إف-35” مهما كانت دقتها.

السيناريو الثالث: حماية “أمن الخليج” والردع الإقليمي
مع تسجيل 6 وفيات في صفوف القوات الأمريكية حتى الآن، وتزايد الهجمات على منشآت الطاقة في الفجيرة وقطر والسعودية، قد تنشر عناصر من الفرقة 82 ليس داخل إيران، بل كـ “قوة صد” في دول الجوار.
هذا السيناريو يفترض نشر وحدات قتالية برية في حقول النفط الحيوية والموانئ الاستراتيجية (مثل ميناء الفجيرة ومجمع رأس لفان) لتعزيز الدفاعات المحلية ضد أي محاولات تسلل بري أو تخريب تقوم بها خلايا نائمة تابعة للحرس الثوري.وجود المظليين الأمريكيين على الأرض في هذه النقاط يرسل رسالة “ردع نهائي” لطهران بأن أي مساس إضافي بإمدادات الطاقة العالمية سيقابل برد بري فوري.
السيناريو الرابع: “تأمين العاصمة” وفراغ ما بعد السقوط
هذا هو السيناريو “الأقصى”. في ظل التقارير التي تتحدث عن مقتل المرشد الأعلى وتفكك هيكل القيادة في طهران، قد يجد المجتمع الدولي نفسه أمام دولة منهارة يملك حرسها الثوري أسلحة كيميائية وبيولوجية وميليشيات منفلتة.
في حال حدث انهيار مفاجئ للنظام، قد تضطر واشنطن لنشر “قوات استقرار” بشكل عجل لتأمين مراكز الحكم في طهران، وحماية السفارات والبعثات الدبلوماسية. علاوة على ذلك، تأتي ضرورة منع وقوع أسلحة الدمار الشامل في أيدي الجماعات المتطرفة. هو سيناريو يحاكي “احتلال بغداد 2003” لكن بنسخة “الانتشار السريع” لتجنب الوقوع في فخ الحرب الطويلة، وتسليم السلطة سريعا لـ “مجلس انتقالي” (ربما بقيادة رضا بهلوي كما تشير التكهنات).
تحديات “المستنقع الإيراني”: لماذا التردد؟
رغم الجاهزية العالية للفرقة 82، إلا أن قرار “الأحذية على الأرض” (Boots on the Ground) يواجه عوائق ضخمة:
الجغرافيا القاسية: إيران ليست سهول العراق المكشوفة؛ هي بلاد الجبال الوعرة (زاغروس والبرز) التي تشكل حصونا طبيعية تجعل العمليات البرية كابوسا لوجستيا.
العقيدة الانتحارية: يدرك البنتاغون أن الحرس الثوري تدرب لعقود على “حرب العصابات” والعمليات الانتحارية ضد القوات الغازية، مما قد يرفع عدد القتلى الأمريكيين بشكل لا يتقبله الرأي العام في واشنطن.
الفخ السياسي: الرئيس ترامب، ورغم نبرته المتشددة، بنى مجده السياسي على فكرة “إنهاء الحروب الأبدية”. في المقابل، إن التورط في غزو بري لإيران قد ينسف وعوده الانتخابية ويحوله إلى “رئيس حرب” تقليدي، وهو ما يحاول تجنبه عبر الضغط بالاستسلام غير المشروط.
التحول من “العقاب” إلى “الإخضاع”
إن إلغاء التدريبات في “فورت ليبرتي” هو الإشارة الأوضح على أن القيادة الأمريكية لم تعد تكتفي بـ “عقاب” إيران جويا، بل بدأت تتحضر لسيناريو “إخضاعها” بريا إذا رفضت شروط الاستسلام.
الحملة الجوية أنجزت الكثير؛ حطمت الصواريخ بنسبة 90%، وشلت المسيرات بنسبة 83%، لكن “النصر الكامل” في القاموس العسكري لا يكتب إلا عندما يسيطر جندي المشاة على مقر قيادة العدو.الفرقة 82 المحمولة جوا تقف الآن في “المنطقة الرمادية” بين الاستعداد والتنفيذ. وإذا صدرت الأوامر، فإن الـ 18 ساعة القادمة قد تغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.
لقد انتقلت الكرة الآن إلى ملعب طهران؛ فإما القبول بـ “كأس السم” والاستسلام غير المشروط، وإما انتظار المظليين الذين قد يهبطون في “باستور” أو “نطنز” قبل شروق شمس الغد.

