دمشق، سوريا — في تحوّل زلزالي في المشهد الجيوسياسي السوري، بدأت قوات الأمن الداخلي السورية دخولها الرسمي إلى مدينة القامشلي في 3 فبراير.
ويمثل هذا التحرك المرحلة التنفيذية لاتفاق مفصلي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وهذا يشير فعليًا إلى نهاية سنوات من التشظّي الإداري في شمال شرق البلاد.
وجاء دخول القامشلي بعد انتشار مماثل في الحسكة بتاريخ 2 فبراير. وتُعد هذه التحركات الاستراتيجية نتيجة مباشرة لمعاهدة شاملة وُقّعت في 18 يناير من قبل الرئيس أحمد الشرع. وتنص المعاهدة على وقف دائم لإطلاق النار والاندماج الكامل لـ(قسد) ضمن مؤسسات الدولة.
هندسة الاتفاق
يشكّل «اتفاق 18 يناير» خارطة طريق لاستعادة سيادة الدولة على منطقة الجزيرة (التي تشمل الحسكة والرقة ودير الزور). وتشمل ركائز الاتفاق الأساسية ما يلي:
إعادة التوحيد الإداري: دمج كامل لجميع المؤسسات المدنية التي كانت خاضعة لـ«الإدارة الذاتية» ضمن الأطر القانونية والإدارية للدولة السورية.
الاندماج الأمني والعسكري: إدماج أفراد عناصر (قسد) العسكريين والأمنيين بشكل فردي في وزارتي الدفاع والداخلية. وبعد إجراءات التدقيق الأمني، يُمنح الأفراد رتبًا رسمية واستحقاقات مالية.
سيادة الموارد: تتولى الحكومة السورية السيطرة الكاملة على جميع المعابر الحدودية الدولية وحقول النفط والغاز الحيوية في المنطقة، مع توفير الحماية من قبل وحدات الجيش النظامي.
الاعتراف الثقافي: وفقًا للمرسوم رقم 13 الصادر عن الرئيس الشرع في 16 يناير، والذي يعترف رسميًا بالسوريين الأكراد بوصفهم «جزءًا أصيلًا ومتكاملًا» من الشعب السوري. ويكرّس المرسوم هويتهم الثقافية واللغوية ضمن الإطار الوطني.
مجتمع في مرحلة انتقالية: الأقلية المسيحية
رغم الاختراق الدبلوماسي، يسود المنطقة جو من «ارتياح حذر» ممزوج بالقلق. فقد شهدت الطائفة المسيحية—وخاصة السريان-الآشوريين والأرمن—تراجعًا كبيرًا في أعدادها من نحو 30% من السكان في منتصف القرن العشرين إلى نسبة ضئيلة اليوم.
وقال بشير إسحاق سعدي، نائب رئيس المنظمة الآشورية الديمقراطية (ADO)، إن الاتفاق بدد الخوف الفوري من مواجهة عسكرية «محروقة الأرض»، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن خطاب الكراهية والتماسك الاجتماعي. وأضاف سعدي لصحيفة «الشرق الأوسط»: «موقفنا ثابت: ندعم الحلول السياسية وسيادة الدولة على كامل الجغرافيا السورية».
وتشير تقديرات حالية إلى أن عدد المسيحيين في منطقة الجزيرة انخفض من 170 ألفًا قبل النزاع إلى نحو 40 ألفًا. وفي منطقة الخابور، التي كانت تضم 15 ألف آشوري، لم يتبقَّ سوى 800. ودعا قادة محليون، من بينهم المطران مار موريس أمسيح، إلى الحياد وانتقال سلمي لمنع مزيد من النزوح.
التحوّل في واشنطن: واقعية سياسية جديدة
يعكس تنفيذ هذا الاتفاق انقلابًا دراماتيكيًا في السياسة الخارجية الأميركية. ففي ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، ابتعدت واشنطن عن دعم «الحكم الذاتي» الكردي لصالح دولة سورية موحدة بقيادة الرئيس الشرع.
ويرى محللون أن هذا التحول تبلور خلال زيارة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025. وبحلول ديسمبر، بدأت الولايات المتحدة بممارسة ضغوط مباشرة على قيادة (قسد) لقبول الاندماج. إذ اعتبرت أن الوضع القائم سابقًا كان عقبة أمام الاستقرار الإقليمي طويل الأمد. ويُعد نقل إدارة 29 مركز احتجاز—تضم نحو 10 آلاف مقاتل من تنظيم داعش و40 ألفًا من النساء والأطفال—إلى سيطرة الحكومة السورية عنصرًا حاسمًا في هذه المرحلة. وقد يسهم هذا النقل في كسر الجمود الدبلوماسي المتعلق بإعادة رعايا الدول الأجنبية إلى بلدانهم.
ردود فعل إقليمية: إجماع نادر
حظي الاتفاق بدعم واسع من قوى إقليمية، وإن اختلفت دوافعها الاستراتيجية:
حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أي محاولات لـ«تخريب» الاتفاق، مؤكدًا أن تركيا تدعم كل خطوة تضمن وحدة الأراضي السورية والسلم الداخلي.
رحّبت وزارة الخارجية العراقية بـ«الاتفاق الشامل»، مشيرة إلى دور بغداد في تسهيل الحوارات التي أفضت إلى وقف إطلاق النار.
عبّرت السعودية عن دعمها لجهود الحكومة السورية في الحفاظ على السيادة، وأشادت بجهود الوساطة التي قامت بها كل من السعودية والولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
ويقطن شمال شرق سوريا طيف واسع من الجماعات الدينية والإثنية. ورغم أن الأكراد يشكلون مجتمعًا كبيرًا، فإنهم يظلون أقلية. ومع الدعم الأميركي السابق لهم في الحرب ضد داعش، شعر القادة الأكراد بقدر أكبر من القوة.
لم تعدهم الولايات المتحدة يومًا بوطن مستقل. لكن القيادات الكردية طمحت إلى نظام حكم ذاتي، وأقامت نظامًا ذا توجهات ماركسية معروفًا بالمساواة بين الجنسين. واليوم، بات عليهم الاندماج مجددًا مع دمشق.
بالنسبة لأكراد «روجافا»، تمتعوا بمزايا الدعم من القوة العظمى في العالم. لكن بالنسبة لغالبية غير الأكراد في المنطقة، كانت القصة مختلفة؛ إذ شعر كثيرون بظلم تمثل في الاستيلاء على مزارعهم ومنازلهم وأعمالهم على يد ميليشيات مسلحة تقود مركبات عسكرية أميركية وتلوّح بأسلحة أميركية.
الآن انقلبت الموازين. ومن أجل السلام والأمن، يحتاج الأكراد إلى إحياء هويتهم السورية والاندماج في المجتمع من جديد. فيما يتعين على غير الأكراد تجاوز المظالم السابقة وإغراءات الانتقام. فسوريا بلد واسع، وفيه متسع للجميع.
ومع رفع الأعلام السورية فوق المباني الحكومية في شمال شرق البلاد، يتجه التركيز الآن إلى التعقيدات اللوجستية لدمج جهازين بيروقراطيين مختلفين. إضافة إلى ذلك، هناك التحدي الإنساني المتمثل في تثبيت الاستقرار في منطقة أنهكتها عشر سنوات من الصراع.


