ايران ، طهران – تجتاح موجة من التظاهرات العارمة مختلف المناطق الإيرانية. وتتداخل المطالب بين إصلاحات اقتصادية جذرية وتغيير سياسي شامل. وتكتسب هذه الاحتجاجات ثقلا استثنائيا في مناطق محددة نظرا لرمزيتها الدينية. كذلك، تكتسب أهمية بسبب ثقلها في الصناعات العسكرية. إلا أن المحرك الأعمق يكمن في “التركيبة السكانية” المعقدة. وقد شكلت تركيبة السكان تحديا وجوديا للنظام المركزي في طهران.
خارطة العرقيات: الغالبية الفارسية وأطراف ملتهبة
تعد إيران دولة ذات تنوع ثقافي وعرقي واسع، وتشير التقديرات الرسمية لعام 2024 إلى أن عدد سكان إيران بلغ نحو 85.96 مليون نسمة. في حين تذهب تقديرات مستقلة إلى أرقام أعلى تتراوح بين 90 و92 مليونا. ومع هذا النمو السكاني، تبرز تركيبة طائفية وعرقية شديدة التعقيد. يمثل الانتماء الرسمي المعلن غالبا “أصولا مجتمعية” لا تعكس بالضرورة القناعات الشخصية. خاصة في ظل الاضطهاد الذي يتعرض له الملحدون وغير المعترف بهم رسميا.
الفرس (50% – 60%): يمثلون العمود الفقري للنظام، وينتشرون في المدن الكبرى والهضبة الوسطى. ورغم كونهم تاريخيا ركيزة السلطة، إلا أنهم تحولوا مؤخرا إلى “نقطة ضعف”. فقد برزت أصوات معارضة قوية في صفوف شبابهم وطبقاتهم الوسطى المدنية. الأذريون (20% – 25%): المجموعة الثانية وزنا بنحو 20 مليون نسمة. ورغم أصولهم التركية، يعدون أركانا للنظام، كما أن المرشد الأعلى نفسه من أصول أذرية من جهة الأم. مع ذلك، يبرز تململ مكتوم بسبب تهميش لغتهم وهيمنة الثقافة الفارسية. الأكراد (7% – 10%): يتمركزون في الغرب، ويمثلون “المعارضة التاريخية”. بسبب انتمائهم للمذهب السني، اتسمت علاقتهم بطهران بالتوتر الدائم. وحدثت انتفاضات متكررة واجهها النظام بحملات إعدام واعتقالات واسعة. اللور (6%): يتمركزون في الغرب والوسط، ويتميزون بنفوذ الزعامات القبلية. ويشاركون في الاحتجاجات بتفاوت ملحوظ بين الأجيال الشابة والقديمة.
مناطق “خارج التنمية”: العرب والبلوش
العرب (2% – 3%): يتركزون في الأحواز الغنية بالنفط والفقيرة تنمويا. إلا أن شعور الإقصاء والتمييز يغذي احتجاجاتهم المستمرة ضد السياسات المركزية. البلوش (2% – 4%): يمثلون المجموعة الأكثر تهميشا في جنوب شرق البلاد. بسبب هويتهم السنية ووقوعهم في أفقر المناطق، يتعرضون لقمع مؤسسي عنيف. وتشير الإحصاءات إلى أن البلوش شكلوا وحدهم نحو 20% من حالات الإعدام في إيران خلال عام 2023. وتشتكي هذه الأطراف، لاسيما في كردستان وسيستان وبلوشستان، من تهميش ممنهج وحرمان من الموارد. نتيجة لذلك، تحولت مطالبها من مجرد تحسين الظروف المعيشية إلى حركات حقوقية واجتماعية. هذه الحركات تطالب بالاعتراف بهويتها وحقوقها السياسية.
التناقض المذهبي وولاية الفقيه
رغم أن الإسلام يجمع 99% من الإيرانيين، إلا أن الانقسام المذهبي يمثل تحديا أمنيا. بينما يتبع 90% المذهب الشيعي الذي يرتكز عليه نظام “ولاية الفقيه”، يشكل السنة (حوالي 10%) كتلة وازنة في المناطق الحدودية بين الأكراد والبلوش والعرب. وتواجه هذه الأقليات قيودا قانونية ودينية. في المقابل، يعيش البهائيون (أكثر من 300 ألف نسمة) ضغوطا حقوقية بالغة لعدم اعتراف الدستور بهم، إلى جانب تراجع أعداد الأقليات الدينية التاريخية كاليهود والمسيحيين والزرادشتيين.
قبضة الحرس الثوري في مواجهة الانقسامات
في ظل هذا الغليان الاجتماعي، يبرز الحرس الثوري الإيراني كأداة السيطرة المركزية الكبرى. ويتجاوز دوره العسكري التقليدي ليشرف على قمع الحركات الانفصالية وتأمين المنشآت الاستراتيجية.
ويعتمد النظام على الحرس الثوري ليس فقط لتثبيت الاستقرار الداخلي، بل لربط أمنه القومي بشبكة من الميليشيات الإقليمية (حزب الله والفصائل العراقية). نتيجة لذلك، يصبح أي اهتزاز في النسيج الاجتماعي الداخلي تهديدا مباشرا لمشروعه الإقليمي.
تحدي الاستدامة: التهميش كوقود للثورة
تؤكد المعطيات الميدانية أن مناطق الأقليات العرقية تشهد أعلى مستويات العنف الأمني. تتعرض الحركات المطلبية لقمع منتظم. كما أن التوزيع غير العادل للموارد والسلطة يمثل “قنبلة موقوتة” داخل الدولة الإيرانية. الفهم العميق لهذه الديناميكيات يشير إلى أن الاحتجاجات الحالية ليست مجرد رد فعل على أزمات عابرة. بل هي انعكاس لصراع عميق بين مركزية “فارسية شيعية” وأطراف عرقية ومذهبية متنوعة. هذه الأطراف تطالب بمكان تحت الشمس في مستقبل إيران.



