أثيوبيا ، أديس أبابا – لم تكن تغريدة الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي مجرد إشارة عابرة. بل بدت كجرس إنذار مبكر يسلّط الضوء على تحولات صامتة داخل المشهد الإسلامي في إثيوبيا. حيث تتحرك تيارات متعددة، بعضها يحمل ملامح فكرية وتنظيمية قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، دون لافتات واضحة أو صدام مباشر مع الدولة.
التغريدة تطرح فكرة محورية مفادها أن الإسلام السياسي في إثيوبيا لا يعمل بنسخة واحدة. بل يتوزع بين ثلاثة اتجاهات رئيسية، تتباين في الشكل. لكنها قد تتقاطع في الأثر طويل المدى.
مشهد متشعب لا يُرى بالعين المجردة
بحسب ما يورده فرغلي، فإن الساحة الإسلامية الإثيوبية تضم:
تيارًا دعويًا تقليديًا يركز على التدين المجتمعي والعمل الوعظي.
تيارًا حركيًا أكثر تنظيمًا، تظهر عليه بصمات فكر الإخوان في مفاهيم “التمكين” والعمل المرحلي وبناء القواعد.
مجموعات أخرى متأثرة بالسياق الإقليمي للقرن الإفريقي، حيث تختلط الدوافع الدينية بالهويات العرقية والصراعات السياسية.
هذا التعدد لا يعني صدامًا داخليًا بقدر ما يعكس توزيع أدوار داخل فضاء واحد. يسمح بالتحرك الهادئ بعيدًا عن الرصد المباشر.
إثيوبيا كمساحة إعادة تموضع
تكتسب إثيوبيا أهمية خاصة في حسابات التيارات الإسلاموية. ليس فقط بسبب ثقلها السكاني وموقعها الجغرافي، بل لأنها تمثل نموذجًا لدولة متعددة الأعراق والأديان. هذا يخلق مساحات حركة مرنة داخل المجتمع، دون الحاجة إلى رفع شعارات سياسية صريحة.
وفي هذا السياق، تبدو إثيوبيا ساحة اختبار جديدة بعد التضييق الذي واجهته جماعة الإخوان في عدد من الدول العربية. الخيار بات هو: التخلي عن الصدام وتفكيك الخطاب السياسي إلى جرعات دعوية واجتماعية. كذلك، الاستثمار في الزمن لا في المواجهة. الإخوان بلا اسم، لكن بالفكرة.
أخطر ما تكشفه التغريدة هو أن الحضور الإخواني لم يعد مرتبطًا بالاسم أو التنظيم العلني. بل بالأفكار وآليات العمل: بناء شبكات اجتماعية والتأثير في التعليم الديني. إعادة إنتاج خطاب “الهوية” و”المظلومية” وتقديم العمل الدعوي كبديل آمن للسياسة.
وهو النموذج ذاته الذي اعتمدته الجماعة تاريخيًا في مراحل التأسيس الأولى، قبل الانتقال إلى الفعل السياسي.
الدعوة والتبليغ.. اختلاف في الهدف وتشابه في الأثر
إشارة فرغلي إلى جماعة الدعوة والتبليغ ليست تفصيلًا هامشيًا، بل عنصرًا كاشفًا في المشهد. فالجماعة، رغم ابتعادها المعلن عن السياسة، تسهم في تشكيل بيئة دينية محافظة. هذه البيئة قد تتحول – دون قصد – إلى أرضية جاهزة لاختراقات فكرية أكثر تنظيمًا.
ما بين السطور
تغريدة ماهر فرغلي لا تتحدث عن عنف، ولا تطلق اتهامات مباشرة. لكنها تنبّه إلى ما هو أخطر: التحولات التي تجري في الهامش، بعيدًا عن العناوين الكبرى. هذه التحولات قد تصنع أزمات المستقبل.
النهاية
ما تكشفه هذه التغريدة أن المعركة مع الإسلام السياسي لم تعد مواجهة مفتوحة. بل صراع وعي طويل النفس، تُزرع بذوره اليوم في صمت


