باريس،فرنسا-في خطوة وصفها الكثيرون بأنها “هروب إلى الأمام” ومحاولة يائسة لتدويل أزمة داخلية، أعلن فرحات مهني، زعيم حركة “تقرير مصير منطقة القبائل” (ماك)، من العاصمة الفرنسية باريس،
ما أسماه “استقلال منطقة القبائل” وتأسيس “الجمهورية الاتحادية للقبائل” في 14 ديسمبر 2025،
وهو ما يضع المنطقة المغاربية والأمن القومي العربي أمام تحد جديد يمس جوهر سيادة الدول ووحدة أراضيها.
فقد أعاد هذا الإعلان فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بوحدة الدولة الوطنية في الجزائر،
وبمآلات الحركات الانفصالية في العالم العربي، في توقيت إقليمي ودولي شديد الاضطراب.
جذور الحركة
تعود جذور حركة «ماك» إلى أحداث عام 2001 المعروفة بـ«الربيع الأسود»، التي شهدت احتجاجات واسعة في منطقة القبائل،
قوبلت بتدخل أمني عنيف من السلطات الجزائرية، أسفر عن سقوط عشرات القتلى.
في تلك المرحلة، تشكلت الحركة تحت شعار الحكم الذاتي الثقافي والإداري، مستثمرة شعورا بالتهميش والهويات الفرعية.
غير أن المسار السياسي للحركة شهد تحوّلًا جذريًا منذ عام 2013، حين انتقلت من خطاب المطالب المحلية إلى تبني مشروع الانفصال الكامل،
وصولًا إلى إعلان الاستقلال من خارج الجزائر، وهو ما يعكس انفصال الحركة عن واقعها الوطني والجغرافي، وارتهانها المتزايد للخارج.
قيادة مثيرة للجدل
وتزعم “حركة انفصال القبائل”، خلال تلك الفترة شخص يدعى بوعزيز آيت شبي يقيم بتيزي وزو الذي حكم عليه بالمؤبد في 2023م،
وهو على اتصال دائم برئيس “حكومة القبائل” فرحات مهني، الذي يقيم بفرنسا.
وقال مهني في مظاهرات بباريس عام 2016، شارك فيها دعاة انفصال منطقة القبائل،
أن “مسيرة 20 إبريل 2016 بالجزائر ستكون للمطالبة بكيان مستقل عن بقية مناطق البلاد، وليس للاعتراف بالثقافة الأمازيغية”.
وأثار مهني وقتها جدلا، عندما زار “المجلس التمثيلي للهيئات اليهودية بفرنسا” والتقى برئيسه ريشارد براسكييه،
وبحث معه “القضايا التي تهم الشعب اليهودي والشعب القبائلي”، بحسب بيان صدر عن “المجلس” بباريس.
أحكام قضائية ثقيلة
وتثير كلمة “الشعب القبائلي” حساسية كبيرة لدى السلطات وقطاع من الجزائريين.
يقود الحركة حاليا من فرنسا فرحات مهني، والذي صدرت بحقه أيضا أحكام قضائية جزائرية ثقيلة، شملت السجن المؤبد،
وهذا بتهم تتعلق بالمساس بوحدة الدولة والانتماء إلى تنظيم إرهابي.
ومن منظور الدولة الوطنية، لا يمكن فصل القيادة في المنفى عن إشكالية الشرعية،
إذ لا تستند إلى تفويض شعبي حقيقي داخل الجزائر، ولا إلى مسار ديمقراطي داخلي.

التصنيف الإرهابي والسياق الأمني
في مايو 2021، صنّفت السلطات الجزائرية «ماك» منظمة إرهابية، متهمة إياها بالتورط في أعمال عنف وتحريض،
وبالضلوع في أحداث خطيرة، من بينها حرائق القبائل وجريمة مقتل جمال بن إسماعيل.
وبغض النظر عن الجدل السياسي، فإن هذا التصنيف يعكس انتقال الحركة من الفعل السياسي إلى مربع التهديد الأمني.
رفض الشركاء
يعتبرها قادة سياسيون وناشطون “وهما سياسيًا خطيرًا” و”تشويهًا للحركة الأمازيغية”، فمنطقة القبائل جزء أصيل من الجزائرساهم في ثورتها وبنائها.
ومن أبرز المواقف المؤثرة، ما كتبه نور الدين آيت حمودة، نجل الشهيد عميروش،
والذي اختار نشر رسالة مفتوحة موجهة لفرحات مهني يعلن فيها قطيعته التامة به، بعد أربعة عقود من العلاقة التي جمعته به،
وهذا من بدايتهما داخل الحركة الثقافية الأمازيغية وفي الدفاع عن حقوق الإنسان، مرورًا بالتجربة المشتركة في جمعية أبناء الشهداء،
وذلك وصولا إلى سنوات السجن والنضال السياسي داخل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.
مجاهِد باللحن
وقال آيت حمودة إن الصداقة الطويلة التي جمعته بفرحات مهني تجعل هذا الموقف مؤلما لكنه ضروري.
وخاطب مهني مستنكرا: “كيف يمكن لمناضل كان يقدم كـ“مجاهِد باللحن” أن يجرؤ على إعلان استقلال منطقة بأكملها من قلب العاصمة الفرنسية؟،
وكيف يتنكر للتاريخ الذي صنعته القبائل منذ 1830، من الشيخ أَحَداد والمقراني وفاطمة نسومر إلى عميروش وعبان رمضان؟”.
سقوط مهني اكتمل
وأكد آيت حمودة أن “الخط الفاصل تم تجاوزه نهائيًا سنة 2018” حين اتخذ مهني خطوة إعلان “الاستقلال المزعوم”،
مضيفا أن القبائل التي رفضت استسلام ديغول “لا يمكن أن تقبل استقلال الجبناء”.
واعتبر أن سقوط مهني اكتمل حين ظهر في مظاهرات باريس وهو يلوح بالعلم الإسرائيلي ويتلقى الدعم من أطراف أجنبية، بينها إسرائيل واليمين الفرنسي المتطرف،
وهي مشاهد قال إنها شكّلت “طعنة في ذاكرة المقاومة والكرامة التي حملتها القبائل عبر التاريخ”.
وختم رسالته بحسرة واضحة: “إنه فراق بلا بغض، لكنه فراق حتمي”.



