خاص، صوت الإمارات – في أعقاب اندلاع الهجمات العنيفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران مطلع مارس 2026، دخلت الساحة الإيرانية مرحلة “السيولة السياسية والأمنية”. وجاء ذلك خاصة بعد الأنباء الصادمة عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين. ومع تهاوي مراكز القيادة التقليدية، بدأت الأنظار تتجه نحو “الجبهة الغربية” للبلاد. هناك عاد ملف الأكراد الإيرانيين ليتصدر المشهد ليس كأقلية عرقية فحسب، بل كـ “بيضة قبان” في الصراع الإقليمي المتفجر.
الأكراد في إيران: الجغرافيا والهوية
يعد الأكراد ثالث أكبر مجموعة عرقية في إيران، ويقدر عددهم بنحو 12 مليون نسمة. يتركز وجودهم في شريط جبلي استراتيجي يمتد بمحاذاة العراق وتركيا، ويتوزعون على محافظات كردستان، وكرمانشاه، وأذربيجان الغربية، ولورستان.
تعد مدينة مهاباد “البوصلة الروحية” لهؤلاء، ففيها أعلنت أول جمهورية كردية عام 1946. ورغم سقوطها السريع، إلا أنها تركت إرثا لا يمحى من الرغبة في الحكم الذاتي. لغويا، يتحدثون “السورانية” و”الكلهرية”، ومذهبيا ينتمي معظمهم للسنة الشافعية. هذا ما خلق فجوة هوياتية عميقة مع نظام “ولاية الفقيه” ذي الطابع الشيعي الرسمي. لقد غذتها عقود من التهميش الثقافي والاقتصادي.
خارطة القوى المسلحة: جيوش في الانتظار
تتحصن عدة فصائل كردية إيرانية في جبال إقليم كردستان العراق، وهي تمتلك آلاف المقاتلين الذين أعادوا تنظيم صفوفهم مع اندلاع حرب 2026. وهذه أبرز القوى الكردية المسلحة:-
الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني
يعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني أحد أقدم الأحزاب الكردية الإيرانية، إذ تأسس عام 1945 ولعب دورا رئيسيا في تجربة جمهورية مهاباد. ويقوده حاليا السياسي الكردي مصطفى هجري.
ينتشر مقاتلو الحزب المعروفون باسم «البيشمركة» في قواعد قرب مدينة كويه في محافظة أربيل العراقية. ويتبنى الحزب برنامجا سياسيا يدعو إلى حكم ذاتي موسع للأكراد داخل إيران ضمن نظام ديمقراطي.
حزب كوملة
أما حزب كوملة – منظمة ثوريي كردستان إيران فقد تأسس عام 1969، وكان في بداياته ذا توجه ماركسي – لينيني قبل أن ينقسم إلى عدة فصائل. ويعد اليوم من أبرز التنظيمات الكردية المسلحة التي خاضت مواجهات متكررة مع قوات الحرس الثوري الإيراني.
ورغم انقساماته التنظيمية، ما يزال الحزب يحتفظ بنفوذ عسكري في المناطق الحدودية الجبلية.
حزب حرية كردستان
ويبرز أيضا حزب حرية كردستان المعروف اختصارا بـ«باك»، وهو من أكثر الفصائل نشاطا ميدانيا. وقد أعلن في يناير 2025 مسؤوليته عن هجمات استهدفت عناصر من الحرس الثوري الإيراني، في إطار الرد على حملات القمع التي طالت محتجين أكراد.
حزب الحياة الحرة الكردستاني
ومن بين التنظيمات المؤثرة أيضا حزب الحياة الحرة الكردستاني، المعروف باسم PJAK، والذي يعد الفرع الإيراني المرتبط فكريا وتنظيميا بـ حزب العمال الكردستاني المرتبط بأفكار زعيمه المسجون في تركيا عبد الله أوجلان.
ويتبنى الحزب مشروع «الكونفيدرالية الديمقراطية»، الداعي إلى نظام سياسي لا مركزي.
غير أن تصنيف PJAK منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعقد احتمالات التعاون المباشر بينه وبين واشنطن.
المخطط الأمريكي: “رأس الحربة”
كشفت تسريبات لشبكة CNN عن تحول دراماتيكي في استراتيجية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)؛ حيث انتقلت من مرحلة المراقبة إلى “التسليح النشط”. تهدف إدارة الرئيس ترامب إلى تحويل هذه الفصائل من “قوات دفاعية” إلى “رأس حربة” لاختراق العمق الإيراني.
تعتمد الاستراتيجية الأمريكية، وفقا للتقارير، على مبدأ “الاستنزاف من الداخل”. فبينما تشل الضربات الجوية الإسرائيلية والأمريكية قدرات الدفاع الجوي الإيراني، تتدفق أسلحة نوعية تشمل مضادات دروع ومسيرات انتحارية إلى الفصائل الكردية عبر الحدود الجبلية.
الهدف هو إجبار ما تبقى من القوات الأمنية الإيرانية على الانشغال بجبهة داخلية واسعة. ونتيجة لذلك، يمهد ذلك الطريق لانتفاضة شعبية كبرى في طهران والمدن الكبرى.
ردود الفعل: الأرض المحروقة
لم تتأخر طهران في الرد؛ حيث شن الحرس الثوري ضربات انتقامية عنيفة بالصواريخ البالستية والمسيرات على مقرات هذه الأحزاب في أربيل والسليمانية.
هذه الضربات لم تصب المقاتلين فحسب، بل أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وأثارت ذعرا في أحياء أربيل السكنية. وقد وضع ذلك حكومة إقليم كردستان العراق في فوهة المدفع بين جيرانها الأقوياء وطموحات حلفائها في المعارضة.
عقبات معقدة: الجغرافيا لا ترحم
رغم هذه التطورات، يواجه توظيف الورقة الكردية عدة عقبات. فقد أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه منطلقا لشن هجمات على إيران. في إشارة إلى حساسية موقع إقليم كردستان ضمن المعادلة الإقليمية.
كما تشير تقديرات استخباراتية إلى أن الجماعات الكردية الإيرانية لا تمتلك حاليا القدرة العسكرية أو الشعبية الكافية لإطلاق انتفاضة واسعة دون دعم خارجي كبير.
وتضاف إلى ذلك مخاوف من أن يؤدي تسليح الفصائل الكردية إلى إشعال نزعات انفصالية في مناطق أخرى من إيران، مثل المناطق التي يقطنها البلوش. وقد يدفع ذلك بدول مجاورة مثل باكستان إلى التورط في الأزمة.
كذلك تبدي تركيا حساسية شديدة تجاه أي تحركات مسلحة كردية قرب حدودها. ويأتي ذلك نظرا لعلاقتها المعقدة مع حزب العمال الكردستاني.
شعب بين المطرقة والسندان
في مارس 2026، يجد الأكراد الإيرانيون أنفسهم بين مطرقة الطموح القومي وسندان الحسابات الدولية. فبينما يرى البعض في هذه الحرب “لحظة تاريخية” لاستعادة حقوق مهدرة منذ عام 1946، يخشى آخرون من تكرار تجارب “التخلي” التاريخية التي مارستها واشنطن سابقا.
السؤال الذي يتردد اليوم في مهاباد وسنندج: هل سيكون الأكراد شركاء في رسم خارطة “إيران الجديدة”، أم سيبقون مجرد ورقة ضغط تستخدم في الحرب وترمى على طاولة المفاوضات؟ التاريخ يراقب، والجبال وحدها تعرف السر.

