الخرطوم ، السودان – دعت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني إلى تسليم المطلوبين المتبقين للمحكمة الجنائية الدولية، وفي مقدمتهم الرئيس السوداني السابق عمر البشير. كما أكدت أن هذه الخطوة تمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة لضحايا إقليم دارفور.
وقالت تمارا أبو رمضان، مستشارة العدالة الدولية في المنظمة، إن على السلطات السودانية تنفيذ أوامر التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية “دون تأخير”. ويأتي هذا في ظل تصاعد الضغوط الدولية على الجيش السوداني بشأن ملف العدالة والمساءلة.
وجاءت هذه الدعوة في مقال نشرته أبو رمضان على الموقع الرسمي للمنظمة. وقد شددت فيه على أن عمر البشير لا يزال “أبرز المشتبه بهم” الذين لم يتم تسليمهم حتى الآن. وهذا رغم مرور أكثر من 15 عامًا على صدور أول مذكرة توقيف بحقه.
وأضافت:”نيابة عن الضحايا، يجب على الحكومات دعم عمل المحكمة الجنائية الدولية في السودان، والدعوة إلى توسيع نطاق اختصاصها ليشمل كامل الأراضي السودانية، إلى جانب إنشاء محكمة دولية خاصة بالسودان”.
إدانة كوشايب تعيد الملف إلى الواجهة
وتأتي هذه المطالبات بعد إدانة القيادي السابق في ميليشيا الجنجاويد، علي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ”علي كوشايب”، في أكتوبر 2025، بـ27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور. وقد صدر هذا الحكم كأول حكم بحق أحد قادة الجنجاويد منذ اندلاع النزاع.
واعتبرت هيومن رايتس ووتش أن الحكم شكّل “اختراقًا تاريخيًا”. مع ذلك، فقد سلط الضوء في الوقت نفسه على استمرار إفلات كبار المسؤولين من المحاسبة.
المطلوبون الثلاثة للمحكمة الجنائية
ولا تزال المحكمة الجنائية الدولية تطالب بتسليم ثلاثة مسؤولين سودانيين رئيسيين متهمين بارتكاب جرائم خلال نزاع دارفور بين عامي 2003 و2004. وقد أسفر هذا النزاع عن مقتل نحو 300 ألف شخص ونزوح أكثر من 2.7 مليون، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
وهم:
عمر حسن أحمد البشير: صدرت بحقه مذكرتا توقيف في عامي 2009 و2010 بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ويُعتقد أنه محتجز منذ عام 2019 في سجن عسكري شمالي البلاد.
عبد الرحيم محمد حسين: وزير الداخلية والدفاع الأسبق، صدرت بحقه مذكرة توقيف عام 2012 بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أحمد محمد هارون: وزير الدولة للشؤون الإنسانية سابقًا، صدرت بحقه مذكرة توقيف عام 2007 بالتهم نفسها.
وتتهم المحكمة هؤلاء الثلاثة بتنسيق وتوجيه ميليشيات الجنجاويد لارتكاب عمليات قتل جماعي واغتصاب واسع النطاق وتدمير ممنهج للقرى ذات الغالبية غير العربية.
جذور الأزمة وتعثر التسليم
واندلعت أزمة دارفور عام 2003 عقب تمرد مسلح ضد الحكومة المركزية. وقد ردّت سلطات البشير آنذاك بحملة عسكرية واسعة استعانت فيها بميليشيات الجنجاويد. أدى هذا الرد إلى ارتكاب واحدة من أسوأ الجرائم الجماعية في القرن الحادي والعشرين، واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب.
وفي عام 2005، أحال مجلس الأمن الدولي ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية. وكانت هذه أول حالة يُحقق فيها الادعاء الدولي بجرائم إبادة جماعية.
وعقب الإطاحة بالبشير في أبريل 2019، تعهّدت الحكومة الانتقالية بتسليم المطلوبين للمحكمة، وأعلنت في يونيو 2021 موافقتها رسميًا على ذلك. إلا أن الانقلاب العسكري اللاحق عطّل تنفيذ هذه الالتزامات.
ومع استمرار الحرب الداخلية في السودان، تؤكد منظمات حقوقية أن تسليم المتهمين للعدالة الدولية يظل خطوة محورية لكسر دائرة الإفلات من العقاب. كما تراه ضروريًا لبناء سلام دائم في دارفور وفي عموم البلاد.

