واشنطن، الولايات المتحدة | تظل حادثة سفينة يو إس إس ليبرتي (USS Liberty) واحدة من أكثر اللحظات غموضاً وإثارة للجدل في التاريخ العسكري والسياسي للولايات المتحدة. في الثامن من يونيو عام 1967، وأثناء وجودها في المياه الدولية قبالة شبه جزيرة سيناء، تعرضت السفينة لهجوم جوي وبحري عنيف من قبل القوات الإسرائيلية، مما أسفر عن مقتل 34 من طاقمها وإصابة أكثر من 170 آخرين.
وقعت الحادثة في خضم “حرب الأيام الستة”، حيث كانت السفينة مكلفة بمهمة جمع المعلومات الاستخباراتية. الهجوم الذي استمر لساعات تضمن قصفاً مدفعياً وضربات جوية وهجمات بطوربيدات، مما ألحق أضراراً جسيمة بالسفينة وأثار صدمة كبرى في أروقة الإدارة الأمريكية آنذاك.
رواية “الخطأ في تحديد الهوية” مقابل الشهادات الميدانية
في سياق متصل، أعلنت السلطات الإسرائيلية في أعقاب الحادث أن الهجوم كان نتيجة “خطأ مأساوي في تحديد الهوية”، حيث اعتقدت القوات الإسرائيلية أن السفينة تابعة للبحرية المصرية. ورغم اعتذار تل أبيب وتقديمها تعويضات لاحقاً، إلا أن العديد من الناجين من طاقم السفينة والمسؤولين الأمريكيين السابقين رفضوا هذه الرواية، مؤكدين أن السفينة كانت ترفع العلم الأمريكي بوضوح، وأن الهجوم كان متعمداً.
علاوة على ذلك، أدت هذه التناقضات إلى إثارة تساؤلات لا تزال قائمة حتى يومنا هذا:
- هل كان الهجوم مقصوداً لمنع السفينة من رصد تحركات عسكرية معينة؟
- كيف فشلت أنظمة التعرف الإسرائيلية في تحديد هوية سفينة حليفة؟
- لماذا بقيت ملفات التحقيق سرية أو ناقصة في نظر الكثير من الباحثين؟
التأثير على التحالف الاستراتيجي
من جهة أخرى، شكلت حادثة يو إس إس ليبرتي اختباراً حقيقياً لمتانة التحالف الأمريكي الإسرائيلي. ورغم غضب واشنطن من الواقعة، إلا أن المصالح الاستراتيجية المشتركة في تلك الحقبة من الحرب الباردة حالت دون حدوث قطيعة دبلوماسية. ومع ذلك، تركت الحادثة ندوباً عميقة في ذاكرة الأوساط العسكرية الأمريكية، حيث تُعتبر حتى اليوم مثالاً على “النيران الصديقة” الأكثر إثارة للشكوك.
ختاماً، لا تزال قضية يو إس إس ليبرتي تطرح نفسها في الأوساط البحثية كلما ذُكرت العلاقات بين واشنطن وتل أبيب. إنها قصة مزيج من المأساة الإنسانية والغموض السياسي، تجسد كيف يمكن لحدث عسكري واحد في وقت الحرب أن يلقي بظلاله لعقود طويلة على التحالفات الدولية ويظل لغزاً ينتظر كشف كامل تفاصيله التاريخية.


