أبوظبي، الإمارات – تقف دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، الخامس والعشرين من فبراير، إلى جانب دولة الكويت الشقيقة في الاحتفاء بعيدها الوطني الخامس والستين، في تجل صادق لعلاقات أخوية لا تقاس بعمرها الزمني فحسب، بل بما تنطوي عليه من قيم مشتركة وإرادة سياسية راسخة وشراكة استراتيجية تمتد عبر مختلف الميادين. وليس هذا الاحتفاء بروتوكولا دبلوماسيا عابرا، بل هو تعبير حقيقي عن روح خليجية واحدة تؤمن بأن ما يجمع هذين البلدين أكبر بكثير من أي حدود جغرافية أو تصنيف رسمي.
ولعل أبلغ ما يعبر عن عمق هذه العلاقة ما أقدمت عليه القيادة الإماراتية الرشيدة من توجيه بالاحتفاء بالعلاقات الأخوية بين البلدين على مدى أسبوع كامل، خلال الفترة الممتدة من التاسع والعشرين من يناير حتى الرابع من فبراير 2026، في جميع إمارات الدولة وتحت شعار لافت في دلالته ووضوح رسالته: “الإمارات والكويت.. إخوة للأبد”. وفي هذا الشعار اختزال لتاريخ طويل من التلاحم والتضامن، وتأكيد على أن هذه العلاقة لم تكن يوماً رهينة المصالح الآنية، بل هي ثمرة إرث إنساني وحضاري مشترك.
شراكة متجددة
وتسير العلاقات الثنائية بين البلدين في ظل رعاية كريمة من قائديهما؛ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، اللذين يمثلان بتوجيهاتهما الحكيمة الرافعة الأساسية لهذه الشراكة المتجددة. ومن أبرز المؤشرات على المأسسة الناجحة لهذه العلاقة، انعقاد الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة بين البلدين في الكويت، التي شهدت التوقيع على جملة من مذكرات التفاهم التي تغطي قطاعات بالغة الأهمية، من بينها حماية المستهلك والرقابة التجارية، والتعاون السياحي، ومعايير التقييس، ومكافحة الفساد، وتدقيق القطاع العام، في مشهد يؤكد أن التعاون بين الإمارات والكويت يسير نحو آفاق أكثر عمقاً وشمولاً.
ديناميكية اقتصادية واعدة
على الصعيد الاقتصادي، تقدم العلاقات الإماراتية الكويتية نموذجا يحتذى به في التكامل الخليجي. فقد تجاوز إجمالي التبادل التجاري بين البلدين خلال العقد الممتد من 2013 إلى 2022 حاجز 317 مليار درهم، بما يشمل الواردات والصادرات غير النفطية وإعادة التصدير. ولا تقف الأرقام عند هذا الحد، إذ بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 وحدها نحو 38.8 مليار درهم، بنمو لافت قدره 7.6%، مما يعكس ديناميكية اقتصادية واعدة ترفض الجمود وتتطلع إلى التوسع. وتحتل دولة الإمارات اليوم مكانة متميزة بوصفها ثاني أكبر شريك تجاري للكويت على المستوى العالمي، والأول عربيا وخليجيا، فيما تستحوذ على ما يقارب 20% من صادرات الكويت غير النفطية، مما يجعل هذه الشراكة الاقتصادية ركيزة لا غنى عنها للاقتصادين معاً.

بيئة أكاديمية متقدمة
وفي قطاع السياحة، تتجلى الروابط الإنسانية بأبهى صورها، حيث أقبل نحو 400 ألف سائح كويتي على زيارة الإمارات خلال عام 2025، بزيادة تقترب من 6% مقارنة بالعام السابق. ويُسهم في تيسير هذا التنقل البشري شبكة واسعة من الرحلات الجوية المباشرة تبلغ 174 رحلة أسبوعياً، مما يجعل التواصل بين الشعبين أمراً يومياً لا موسمياً.
أما على صعيد التعليم، فإن جذور التعاون تمتد إلى عام 1952، حين وجه الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح بإرسال بعثة تعليمية كويتية إلى إمارة الشارقة، في لفتة تؤسس لنهج التعاون الإنساني قبل أن تؤسس الدولتان بصورتهما الرسمية. واليوم، تستقبل الجامعات الإماراتية نحو 1725 طالباً كويتياً يجدون في الإمارات بيئة أكاديمية متقدمة تصقل مهاراتهم وتفتح أمامهم آفاق المستقبل.
إرادة صادقة وقيادة حكيمة
وتكمل الروابط الثقافية هذه المنظومة المتكاملة، إذ أسهمت اللجان المشتركة في إطلاق برامج تعاون في الثقافة والفنون والمكتبات والبحث العلمي، كان أبرزها ما وقع في الدورة الأولى للجنة العليا المشتركة عام 2008 من سبع اتفاقيات، تبعتها برامج تنفيذية متعاقبة عام 2014 وعام 2020.
في نهاية المطاف، الإمارات والكويت ليستا مجرد دولتين جارتين تجمعهما اتفاقيات ومصالح مشتركة، بل هما نموذج حي لما يمكن أن تصنعه الإرادة الصادقة والقيادة الحكيمة من شراكة حقيقية تخدم الشعبين وتعزز أمن الخليج واستقراره. وإذا كان العيد الوطني الـ65 للكويت مناسبة للاحتفاء، فإنه قبل ذلك مناسبة للتأكيد على أن هذا البيت الخليجي الواحد صلب البنيان، متجدد العزم، ومفتوح على مستقبل مشترك مليء بالأمل.


