واشنطن ، الولايات المتحدة – أدت التوترات العسكرية المتصاعدة والنزاع القائم مع إيران إلى حالة من الفوضى العارمة في الأسواق المالية العالمية، ما دفع المستثمرين وصناع السوق إلى حالة غير مسبوقة من التوجس والنفور من المخاطرة. في نفس الوقت، المشهد المعقد جعل من عمليات التداول اليومية مهمة شاقة وعالية التكلفة. كما جاء ذلك وسط رقابة لصيقة من الجهات التنظيمية الدولية التي تخشى فقدان السيطرة على استقرار النظام المالي.
تصدعات في أعمدة الاقتصاد العالمي
أكد مستثمرون ومتعاملون أن التداعيات لم تقتصر على قطاع واحد، بل ضربت أركان الاقتصاد العالمي، بدءا من سندات الخزانة الأمريكية التي تعد “الملاذ الآمن” التقليدي، وصولا إلى الذهب والعملات الرئيسية.
وفي القارة الأوروبية، تفاقمت الأزمة بفعل تحركات صناديق التحوط التي تسيطر حاليا على تداولات السندات؛ حيث سارعت هذه الصناديق إلى تصفية مراكزها المالية بشكل جماعي هذا الشهر. لذلك أدى ذلك إلى حركات سعرية عنيفة وفجوات في السيولة. ويشير خبراء السوق إلى أن الحصول على عروض أسعار دقيقة أو تنفيذ صفقات كبرى بات أمرا متعثرا خلال الأسابيع الأربعة الماضية. في هذا السياق، يقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة “جاما” لإدارة الأصول: “عندما نحاول التداول، يستغرق الأمر وقتا أطول، إذ يطالبنا صناع السوق بالصبر وتقسيم الصفقات الكبيرة إلى أحجام أصغر لتجنب تقلبات الأسعار الحادة”. وأوضح أن اتساع الفجوة بين سعري البيع والشراء (Bid-Ask Spread) أجبر الجميع على تقليص أحجام مراكزهم الاستثمارية بشكل قسري.
مؤشرات القلق تتجاوز مستويات الأزمات السابقة
قفزت مؤشرات التقلب في قطاعات النفط والذهب والأسهم إلى مستويات لم تشهدها الأسواق إلا في ذروة الأزمات الكبرى. حتى سوق سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، التي تمثل حجر الزاوية في التمويل العالمي، شهدت زيادة بنسبة 27% في الفارق بين أسعار العروض والطلبات خلال شهر مارس مقارنة بفبراير، وفقا لبيانات “مورغان ستانلي”. أيضا هذه الموجة من الاضطراب تذكر بظروف قاسية سابقة، مثل رسوم “يوم التحرير” الجمركية في عهد ترامب عام 2025 أو جائحة كوفيد-19 في 2020. ومع ذلك، يكمن الخطر الحالي في أن هذه التقلبات تأتي بعد فترة توسع طويلة. هذا ينذر بتصحيح سعري عنيف إذا طال أمد الحرب وتبخرت السيولة تماما.
صناديق التحوط والضغط الأوروبي
في أوروبا، وصلت السيولة في سوق العقود الآجلة لأسعار الفائدة إلى 10% فقط من مستوياتها المعتادة في بعض اللحظات الحرجة.
وأشار دانيال أكسان من “مورغان ستانلي” إلى أن غياب السيولة بات يشبه “أيام الجائحة الأولى”. وتلعب صناديق التحوط دورا مزدوجا؛ فهي توفر السيولة في الأوقات الجيدة. لكن تدافعها للتخارج من مراكز خاسرة (مثل الرهان على خفض الفائدة من بنك إنجلترا) أدى إلى تفاقم الأزمة.
تحذيرات تنظيمية ومخاطر مستقبلية
حذرت ثلاث هيئات تنظيمية أوروبية من أن التوترات الجيوسياسية، وخاصة الحرب في الشرق الأوسط واهتزاز إمدادات النفط الخليجي، تشكل “مخاطر جسيمة” عبر رفع أسعار الطاقة وتغذية التضخم العالمي.
وبينما يظل التداول “طبيعيا” من الناحية الفنية، إلا أن ندرة المشترين والهروب الجماعي نحو النقد (Cash) يضع النظام المالي أمام اختبار قسي قد يعيد تشكيل خارطة الاستثمار العالمي في عام 2026.



